محمد بن جرير الطبري

457

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

تدبير علينا جميعا ، وإذا فعل بك اليوم شيء فعل بي غدا مثله ، فما ترى ؟ قال : أرى ان تصير إلى سامرا ، فتخبره انك في طاعته ، وناصره على موسى ومفلح ، فإنه يطمئن إليك ، ثم ندبر في قتله . فقدم بايكباك فدخل على المهتدى ، وقد مضوا إلى منازلهم كما قدموا من عند الشاري ، فأظهر له المهتدى الغضب ، وقال : تركت العسكر ، وقد أمرتك ان تقتل موسى ومفلحا ، وداهنت في أمرهما ! قال : يا أمير المؤمنين ، وكيف لي بهما ؟ وكيف يتهيأ لي قتلهما ؟ وهما أعظم جيشا منى ، وأعز منى ! ولقد جرى بيني وبين مفلح شيء في بعض الأمر ، فما انتصفت منه ، ولكني قد قدمت بجيشى وأصحابي ومن أطاعني لانصرك عليهما ، وأقوى امرك ، وقد بقي موسى في أقل العدد قال : ضع سلاحك ، وامر بإدخاله دارا ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ليس هذا سبيل مثلي إذا قدم من مثل هذا الوجه ، حتى أصير إلى منزلي ، وآمر أصحابي وأهلي بأمري قال : ليس إلى ذلك سبيل ، احتاج إلى مناظرتك فاخذ سلاحه ، فلما أبطأ خبره على أصحابه سعى فيهم أحمد بن خاقان حاجب بايكباك ، فقال : اطلبوا صاحبكم قبل ان يحدث به حدث ، فجاشت الترك ، وأحاطوا بالجوسق فلما رأى ذلك المهتدى وعنده صالح بن علي بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور شاوره ، وقال : ما ترى ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، انه لم يبلغ أحد من آبائك ما بلغته من الشجاعة والاقدام ، وقد كان أبو مسلم أعظم شأنا عند أهل خراسان من هذا التركي عند أصحابه ، فما كان الا ان طرح رأسه إليهم حتى سكنوا ، وقد كان فيهم من يعبده ويتخذه ربا ، فلو فعلت مثل ذلك سكنوا ، فأنت أشد من المنصور اقداما ، وأشجع قلبا فامر المهتدى الكرخي - واسمه محمد ابن المباشر ، وكان حدادا بالكرخ يطرق المسامير ، فانقطع إلى المهدى ببغداد فوثق به ولزمه - فأمره بضرب عنق بايكباك ، فضرب عنقه ، والأتراك مصطفون في الجوسق في السلاح ، يطلبون بايكباك ، فامر المهتدى عتاب بن عتاب القائد